ابو القاسم عبد الكريم القشيري
376
الرسالة القشيرية
وكثير من حكايات القوم يدل على ذلك ( كما نذكر طرفا من ذلك في باب كرامات الأولياء إن شاء اللّه تعالى ) . وإلى هذا القول كان يذهب من شيوخنا الذين لقيناهم ، الأستاذ أبو علي الدقاق ، رحمه اللّه . وقيل : إن إبراهيم بن أدهم قال لرجل : أتحب أن تكون للّه وليا ؟ فقال : نعم ، فقال : لا ترغب في شئ من الدنيا والآخرة ؛ وفرغ نفسك للّه تعالى ، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك . وقال يحيى بن معاذ في صفة الأولياء : هم عباد تسربلوا بالأنس باللّه تعالى بعد المكابدة ، واعتنقوا الروح « 1 » بعد المجاهدة ، بوصولهم إلى مقام الولاية . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت عمى البسطامي يقول : سمعت أبي يقول : سمعت أبا يزيد يقول : أولياء اللّه تعالى عرائس اللّه . . . ولا يرى العرائس إلا المحرومون . . وهم مخدرون « 2 » عنده في حجاف الأنس ، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة . سمعت أبا بكر الصيدلاني - كان رجلا صالحا - قال : كنت أصلح اللوح في قبر « أبى بكر الطمستانى » أنقر فيه اسمه في مقبرة « الحيرة » كثيرا ، وكان يقلع ذلك اللوح ويسرق . . ولم يقع مثله في غيره من القبور ، فكنت أتعجب منه ، فسألت أبا على الدقاق ، رحمه اللّه ، يوما عن ذلك فقال : إن ذلك الشيخ آثر الخفاء في الدنيا ، وأنت تريد أن تشهر قبره باللوح الذي تصلحه فيه ، وإن الحق سبحانه يأبى إلا إخفاء قبره ، كما آثر هو ستر نفسه . وقال أبو عثمان المغربي : الولي قد يكون مشهورا ، ولكن لا يكون مفتونا . . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت النصراباذى يقول : ليس للأولياء سؤال ؛ إنما هو الذبول والخمول . قال : وسمعته يقول : نهايات الأولياء بدايات الأنبياء .
--> ( 1 ) أي الراحة والنعيم . ( 2 ) أي وعرائس اللّه محجوبون .